الغزالي
130
إحياء علوم الدين
الداهية الثانية : مشاهدة صورة ملك الموت ، ودخول الروع والخوف منه على القلب فلو رأى صورته ! التي يقبض عليها روح العبد المذنب أعظم الرجال قوة لم يطق رؤيته . فقد روي عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه قال لملك الموت : هل تستطيع أن تريني صورتك التي تقبض عليها روح الفاجر . قال لا تطيق ذلك . قال بلى ، قال فأعرض عنى . فأعرض عنه ثم التفت ، فإذا هو برجل أسود ، قائم الشعر ، منتن الريح ، أسود الثياب ، يخرج من فيه ومناخيره لهيب النار والدخان . فغشي على إبراهيم عليه السلام ، ثم أفاق وقد عاد ملك الموت إلى صورته الأولى . فقال يا ملك الموت ، لو لم يلق الفاجر عند الموت إلا صورة وجهك لكان حبه . وروى [ 1 ] أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم « أنّ داود عليه السّلام كان رجلا غيور أو كان إذا خرج أغلق الأبواب فأغلق ذات يوم وخرج فأشرفت امرأته فإذا هي برجل في الدّار فقالت من أدخل هذا الرّجل لئن جاء داود ليلقينّ منه عناء فجاء داود فرآه فقال من أنت ؟ فقال أنا الَّذي لا أهاب الملوك ولا يمنع منّى الحجاب فقال فأنت والله إذا ملك الموت وزمل داود عليه السّلام مكانه » وروي أن عيسى عليه السلام مرّ بجمجمة فضربها برجله ، فقال : تكلَّمى بإذن الله . فقالت يا روح الله ، أنا ملك زمان كذا وكذا ، بينا أنا جالس في ملكي عليّ تاجي ، وحولى جنودي وحشمى ، على سرير ملكي ، إذ بدا لي ملك الموت ، فزال منى كل عضو على حياله ثم خرجت نفسي إليه ، فيا ليت ما كان من تلك الجموع كان فرقة ، ويا ليت ما كان من ذلك الأنس كان وحشة . فهذه داهية يلقاها العصاة ، ويكفاها المطيعون . فقد حكى الأنبياء مجرد سكرة النزع ، دون الروعة التي يدركها من يشاهد صورة ملك الموت كذلك . ولو رآها في منامه ليلة لتنغص عليه بقية عمره ، فكيف برؤيته في مثل تلك الحال وأما المطيع فإنه يراه في أحسن صورة وأجملها . فقد روى عكرمة عن ابن عباس ، أن إبراهيم عليه السلام كان رجلا غيورا ، وكان له بيت يتعبد فيه فإذا خرج